بتاريخ : فبراير 1, 2026 - 11:57 ص
الزيارات : 154
بقلم: مريم مستور:
عرفت المملكة المغربية خلال الأيام الأخيرة تساقطات مطرية مهمة أعادت الأمل بعد سنوات من الجفاف، فارتوت الأرض وامتلأت السدود وتحسّن المخزون المائي بشكل ملحوظ.
غير أن هذه النعمة تحوّلت في بعض المناطق، خصوصاً بالشمال، إلى محنة قاسية بسبب ارتفاع منسوب البحر، امتلاء الأودية، وبلوغ عدد من السدود مستويات تفوق طاقتها الاستيعابية.
وكانت مدينة القصر الكبير الضحية الأكبر، بعدما باغتها فيضان وادي اللوكوس بقوة غير مسبوقة، مخلفاً فيضانات مهولة أجبرت السلطات على دق ناقوس الخطر وإطلاق صفارات الإنذار، في مشهد أعاد إلى الأذهان سيناريوهات مأساوية سابقة. وقد تم إخلاء عدد كبير من الساكنة بشكل استعجالي، تفادياً لفقدان الأرواح، خاصة مع التخوف من تفريغ السدود الممتلئة عن آخرها أو احتمال تضرر بنياتها.
فإجراءات الطوارئ لابد منها لحماية الأرواح أولاً.
فالسلطات المختصة في مثل هذه الحالات تعتمد على حزمة من إجراءات الطوارئ، من بينها:
رفع درجة اليقظة والتعبئة لدى السلطات المحلية والمصالح التقنية.
تفريغ السدود بشكل تدريجي ومدروس لتفادي انهيارها أو انفجارها.
مراقبة الوضع الهيدرولوجي بشكل مستمر واتخاذ تدابير استباقية.
تحذير الساكنة من الاقتراب من الأودية والمناطق المنخفضة.
تفعيل خطط الإجلاء وتعليق الدراسة عند الضرورة.
تنسيق الجهود بين السلطات المحلية، الوقاية المدنية، الدرك الملكي، وباقي المتدخلين.
تضامن مغربي أصيل في زمن الشدّة.
ورغم قساوة المشهد، أبان المغاربة مرة أخرى عن معدنهم الأصيل. فقد تشابكت الأيادي وتوحّدت القلوب لمساعدة المتضرّرين، من عمليات الإنقاذ، وتوفير الأكل والماء، إلى فتح البيوت في وجه المنكوبين. وسجّلت الجالية المغربية المقيمة بالخارج مواقف مشرفة، حيث فتحت منازلها وساندت إخوانها بصمت ودون ضجيج.
كما أظهرت القوات المساعدة، الدرك الملكي، والوقاية المدنية صوراً إنسانية مؤثرة، وهم يحملون الشيوخ والأطفال على أكتافهم، وينقذون حتى الحيوانات الأليفة، في تجسيد حقيقي لقيم الرحمة والمسؤولية.
وبتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده، تم التدخل الفوري للقوات المسلحة الملكية، مع تسخير وسائل بشرية ولوجيستيكية مهمة لدعم ساكنة القصر الكبير والمناطق المجاورة، وحماية أرواح المواطنين. تدخل يعكس الحرص الدائم لجلالته على سلامة الشعب، والتفاعل السريع مع الأوضاع الاستثنائية.
لكن، وفي الوقت الذي كان فيه التضامن سيد الموقف، برز وجه قبيح لا يقل خطورة عن الفيضانات نفسها: تجّار الأزمات.
فبالرغم من الترخيص المجاني لقطارات النقل لفائدة ساكنة القصر الكبير نحو مختلف الوجهات، اشتكى مواطنون من محاولات ابتزاز، حيث يُطلب منهم الدفع مقابل الركوب.
أما على مستوى السكن، فقد بلغ الاستغلال حدّ طلب أثمنة خيالية للكراء، وكأن المنكوب الذي خرج من بيته بملابسه فقط مطالب بدفع ثمن مأساة لم يخترها.
إن ما يحدث يفرض تدخلاً حكومياً عاجلاً لتوفير سكن مؤقت وآمن للمتضررين، سواء عبر الفنادق، أو فتح فضاءات عمومية ودينية مجهزة، لأن ترك المنكوبين دون مأوى مساس صريح بالكرامة الإنسانية.
كما يتعيّن تفعيل آليات المراقبة والزجر في حق كل من سوّلت له نفسه المتاجرة بآلام المواطنين، لأن الأزمات لا يجب أن تكون سوقاً للربح غير المشروع.
سيبقى الشعب المغربي، كما كان دائماً، متضامناً في السراء والضراء، لكن التضامن الشعبي لا يُعفي المسؤولين من واجبهم، ولا يبرّر صمتاً عن الاستغلال.
نسأل الله أن يحفظ بلدنا المغرب، وأن يرفع الضرر عن جميع المتضررين، وأن يجعل هذه الجهود في ميزان حسنات كل من ساهم فيها،
إرسال تعليق